محمد بن عبد الله الصفار

101

رحلة الصفار إلى فرنسا

ليعتبر من أصعب تجارب الرحلة عليه . فلا بد من أن يتوصل الرحالة إلى الاستئناس بها عن طريق التعلم أو من خلال الأمثلة ، وكل فشل في تعلمها يمكن أن تترتب عنه معاناة وحيرة شديدة . وجل الذين سافروا إلى الخارج لا بد من أن تكون لديهم حكاية واحدة على الأقل ، تتعلق بسوء فهم ثقافي ناتج عن خطأ في تأويل تلك الرموز التي تشكل الحدود الفاصلة بين الثقافات . وصادف الصفار ، أثناء وجوده في فرنسا ، صعوبات في فهم طبيعة العلاقات القائمة على مستوى المجال المجتمعي . وعلى سبيل المثال ، قدم لنا وصفا لأحد المنازل الفرنسية النموذجية فقال : « وأما أشكال دورهم فإنها مخالفة لشكلنا ، فإن دورهم ليست بالساحة والفوقي والسفلي والبيوت والغرف كما عندنا ، فإنهم يتركون ساحة الدار خارجة عنها مرفقا لها لوقوف نحو الكراريص والدواب . . . وتلك البيوت . . . وكلها لها طاقات كبارا جدا منها تضيء ، تشرف على الأسواق والشوارع » « 1 » . إن التناقض الموجود بين محتوى هذا الوصف والدار المغربية التقليدية مثير جدا للاهتمام : إذ لا نجد في المغرب نوافذ لتوفير إمكانية الإطلال على الشارع ، كما أنه ليست هنالك نقطة معينة يمكن من خلالها ، وانطلاقا من الخارج ، مشاهدة ما هو بداخل الدار . ذلك بأن الجزء الداخلي للدار يعتبر مكانا خصوصيا صرفا ، وتشكل فيه الساحة التي تتوسط الدار مجالا تجري بين أحضانه مختلف مظاهر الحياة العائلية ، ولا سبيل لوجود مكان لوقوف الدواب . وبعبارة أخرى ، فإن المجال بداخل المنزل المغربي يشكل رابطة قوية بين تداخلات اجتماعية كثيفة تفتقدها فرنسا « 2 » . ويشكل فناء الدار في المغرب مجالا يمكن للأجنبي عن البيت الوقوف فيه دون انتهاك حرمته الداخلية ، ودون إحراج النساء اللواتي لا يرغبن في الظهور أمامه . وكان ولوج الصفار إلى إحدى الدور الفرنسية مباشرة دون حاجة إلى المرور عبر ساحتها تجربة فريدة لم يعرفها من قبل . علاوة على ذلك ، فقد وجد بعد ولوجه إلى الدار أن داخلها مفتوح تماما على الخارج بفعل وجود نوافذ كبيرة ، والضوء يغمر أرجاء البيت الداخلية ،

--> ( 1 ) انظر الصفحات اللاحقة من هذا الكتاب . ( 2 ) انظر التصميم الخاص بإحدى الدور التطوانية النمودجية في المرجع الآتي : Ernst Rackow , Beitr ge zur Kenntnis der Materiellen Kultur Nordwest - Marokkos : Wohnraun , Hausrat , Kostum ( Wiesbaden , 1658 ) , p . 5 and Tafel 4 .